النووي
45
روضة الطالبين وعمدة المفتين ( المكتب الإسلامي )
قُلْتُ : تَوَقَّفَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي كِتَابِهِ « الْإِرْشَادِ » فِي انْعِزَالِ الْإِمَامِ بِعَزْلِهِ نَفْسَهُ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَذَكَرَ الْمَاوَرْدِيُّ أَنَّهُ يَجُوزُ الْعَهْدُ إِلَى الْوَالِدِ وَالْوَلَدِ ، وَفِيهِ مَذْهَبَانِ آخَرَانِ ، أَحَدُهُمَا : الْمَنْعُ ، كَالتَّزْكِيَةِ وَالْحُكْمِ لَهُمَا ، وَالثَّانِي : يَجُوزُ لِلْوَالِدِ دُونَ الْوَلَدِ ، لِشِدَّةِ الْمَيْلِ إِلَيْهِ ، وَأَنَّ وَلِيَّ الْعَهْدِ لَوْ أَرَادَ أَنْ يَنْقُلَ مَا إِلَيْهِ مِنَ الْعَهْدِ إِلَى غَيْرِهِ ، لَمْ يَجُزْ ، وَأَنَّهُ لَوْ عَهِدَ إِلَى جَمَاعَةٍ مُرَتَّبِينَ ، فَقَالَ الْخَلِيفَةُ : بَعْدَ مَوْتِي فُلَانٌ ، وَبَعْدَ مَوْتِهِ فُلَانٌ ، وَبَعْدَ مَوْتِهِ فُلَانٌ ، جَازَ ، وَانْتَقَلَتِ الْخِلَافَةُ إِلَيْهِمْ عَلَى مَا رَتَّبَ ، كَمَا رَتَّبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُمَرَاءَ جَيْشِ مُؤْتَةَ ، وَأَنَّهُ لَوْ مَاتَ الْأَوَّلُ فِي حَيَاةِ الْخَلِيفَةِ ، فَالْخِلَافَةُ لِلثَّانِي ، وَلَوْ مَاتَ الْأَوَّلُ وَالثَّانِي فِي حَيَاتِهِ ، فَهِيَ لِلثَّالِثِ ، وَأَنَّهُ لَوْ مَاتَ الْخَلِيفَةُ وَبَقِيَ الثَّلَاثَةُ أَحْيَاءً ، فَانْتَصَبَ الْأَوَّلُ لِلْخِلَافَةِ ، ثُمَّ إِنْ أَرَادَ أَنْ يَعْهَدَ بِهَا إِلَى غَيْرِ الْآخَرِينَ ، فَالظَّاهِرُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ جَوَازُهُ ; لِأَنَّهَا لَمَّا انْتَهَتْ إِلَيْهِ صَارَ أَمْلَكَ بِهَا بِخِلَافِ مَا إِذَا مَاتَ وَلَمْ يَعْهَدْ إِلَى أَحَدٍ ، فَلَيْسَ لِأَهْلِ الْبَيْعَةِ أَنْ يُبَايِعُوا غَيْرَ الثَّانِي ، وَيُقَدَّمَ عَهْدُ الْأَوَّلِ عَلَى اخْتِيَارِهِمْ وَأَنَّهُ لَيْسَ لِأَهْلِ الشُّورَى أَنْ يُعَيِّنُوا وَاحِدًا مِنْهُمْ فِي حَيَاةِ الْخَلِيفَةِ إِلَّا أَنْ يَأْذَنَ لَهُمْ فِي ذَلِكَ ، فَإِنْ خَافُوا انْتِشَارَ الْأَمْرِ بَعْدَهُ اسْتَأْذَنُوهُ ، فَإِنْ أَذِنَ ، فَعَلُوهُ ، وَأَنَّهُ يَجُوزُ لِلْخَلِيفَةِ أَنْ يَنُصَّ عَلَى مَنْ يُخْتَارُ خَلِيفَةً بَعْدَهُ ، كَمَا يَجُوزُ أَنْ يَعْهَدَ إِلَى غَيْرِهِ ، ثُمَّ لَا يَصِحُّ إِلَّا اخْتِيَارُ مَنْ نَصَّ عَلَى أَنَّهُ يُخْتَارُ ، كَمَا لَا يَصِحُّ إِلَّا تَقْلِيدُ مَنْ عَهِدَ إِلَيْهِ ، وَأَنَّهُ إِذَا عَهِدَ إِلَى غَيْرِهِ بِالْخِلَافَةِ ، فَالْعَهْدُ مَوْقُوفٌ عَلَى قَبُولِ الْمَعْهُودِ إِلَيْهِ ، وَاخْتُلِفَ فِي وَقْتِ قَبُولِهِ ، فَقِيلَ : بَعْدَ مَوْتِ الْخَلِيفَةِ ، وَالْأَصَحُّ أَنَّ وَقْتَهُ مَا بَيْنَ عَهْدِ الْخَلِيفَةِ وَمَوْتِهِ ، قَالَ صَاحِبُ « التَّتِمَّةِ » : وَإِذَا امْتَنَعَ الْمَعْهُودُ إِلَيْهِ مِنَ الْقَبُولِ بُويِعَ غَيْرُهُ ، وَكَأَنَّهُ لَا عَهْدَ ، وَكَذَا إِذَا جَعَلَ الْأَمْرَ شُورَى ، فَتَرَكَ الْقَوْمُ الِاخْتِيَارَ لَا يُجْبَرُونَ عَلَيْهِ ، وَكَأَنَّهُ لَمْ يَجْعَلِ الْأَمْرَ إِلَيْهِمْ .